السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

537

مختصر الميزان في تفسير القرآن

عَلَيْكَ ، الآيتان . قوله تعالى : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ، شفا الحفرة طرفها الذي يشرف على السقوط فيها من كان به . والمراد من النار إن كان نار الآخرة ، فالمراد بكونهم على شفا حفرتها أنهم كانوا كافرين ليس بينهم وبين الوقوع فيها إلّا الموت الذي هو أقرب إلى الإنسان من سواد العين إلى بياضها فأنقذهم اللّه منها بالإيمان . وإن كان المراد بيان حالهم في مجتمعهم الفاسد الذي كانوا فيه قبل إيمانهم وتألف قلوبهم ، وكان المراد بالنار هي الحروب والمنازعات - وهو من الاستعمالات الشائعة بطريق الاستعارة - فالمقصود أن المجتمع الذي بني على تشتت القلوب واختلاف المقاصد والأهواء ، ولا محالة لا يسير مثل هذا المجتمع بدليل واحد يهديهم إلى غاية واحدة بل بأدلة شتى تختلف باختلاف الميول الشخصية والتحكمات الفردية اللاغية التي تهديهم إلى أشد الخلاف والاختلاف - يشرفهم إلى أردأ التنازع ، ويهددهم دائما بالقتال والنزال ، ويعدهم الفناء والزوال ، وهي النار التي لا تبقى ولا تذر على حفرة الجهالة التي لا منجى ولا مخلص للساقط فيها . فهؤلاء وهم طائفة من المسلمين كانوا قد آمنوا قبل نزول الآية بعد كفرهم ، وهم المخاطبون الأقربون بهذه الآيات لم يكونوا يعيشون مدى حياتهم قبل الإسلام إلّا في حال تهددهم الحروب والمقاتلات آنا بعد آن ، فلا أمن ولا راحة ولا فراغ ، ولم يكونوا يفقهون ما حقيقة الأمن العام الذي يعم المجتمع بجميع جهاتها من جاه ومال وعرض ونفس وغير ذلك . ثم لما اجتمعوا على الاعتصام بحبل اللّه ، ولاحت لهم آيات السعادة ، وذاقوا شيئا من حلاوة النعم وجدوا صدق ما يذكّرهم به اللّه من هنيء النعمة ولذيذ السعادة فكان الخطاب أوقع في نفوسهم ونفوس غيرهم .